حين يصبح الجوع حكماً بالإعدام.. أزمة سوء التغذية تحصد أرواح أطفال باكستان

حين يصبح الجوع حكماً بالإعدام.. أزمة سوء التغذية تحصد أرواح أطفال باكستان
سوء التغذية بين الأطفال

تتفاقم المأساة الإنسانية في منطقة ثارباركار بإقليم السند جنوبي باكستان، حيث تحولت المستشفيات إلى محطات أخيرة لأطفال أنهكتهم المجاعة وسوء التغذية، في مشهد يعكس فشلاً مركباً في حماية أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة والرعاية الصحية، وخلال الأيام الماضية، فقدت المنطقة 6 أطفال إضافيين كانوا يتلقون العلاج في مستشفى مدني، لترتفع حصيلة الوفيات بين الأطفال إلى 50 حالة خلال شهر واحد فقط، في مؤشر خطير على عمق الأزمة واتساع تداعياتها.

ووفقاً لما نقلته صحيفة "ذا نيشن" الباكستانية اليوم السبت عن مسئولين ومصادر طبية، فإن معظم الأطفال الذين وصلوا إلى المستشفيات كانوا يعانون من حالات صحية معقدة، شملت سوء تغذية حاداً وضعفاً شديداً في جهاز المناعة، إلى جانب أمراض يمكن الوقاية منها في الظروف الطبيعية، ما جعل فرص إنقاذهم محدودة رغم محاولات التدخل الطبي.

سوء التغذية قضية حقوقية

لا يمكن النظر إلى وفيات الأطفال في ثارباركار باعتبارها مجرد أزمة صحية عابرة، بل هي قضية حقوقية بامتياز، تعكس انتهاكاً واضحاً لحق الأطفال في الغذاء الكافي والرعاية الصحية، وتشير مصادر طبية إلى أن سوء التغذية المزمن يظل العامل الرئيسي وراء هذه الوفيات التي تشهدها باكستان، إذ يجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض التي لا تشكل عادة خطراً مميتاً في البيئات التي تتوافر فيها خدمات صحية وغذائية مناسبة.

الفقر والجوع جذور الأزمة

الأطباء في المستشفيات المحلية يؤكدون أن العديد من الأطفال الذين توفوا وصلوا في مراحل متقدمة من المرض، مع ضعف شديد في المناعة، وهو ما يقلل من فعالية أي علاج دوائي، هذا الواقع يكشف فجوة عميقة بين الاحتياجات الصحية الفعلية للسكان وقدرة النظام الصحي في باكستان على الاستجابة، خاصة في المناطق الريفية المهمشة.

تعاني منطقة ثارباركار منذ سنوات من الفقر المدقع، وتكرار موجات الجفاف، وغياب الأمن الغذائي، وهي عوامل تتداخل لتخلق بيئة معادية لبقاء الأطفال، ويشير مسئولون صحيون إلى أن العائلات في المنطقة غالباً ما تفتقر إلى الموارد اللازمة لتوفير وجبات غذائية متوازنة، ما يؤدي إلى حالات سوء تغذية مزمنة تبدأ منذ الطفولة المبكرة.

رعاية صحية غير كافية

إلى جانب الفقر، يعاني إقليم السند من نقص حاد في مرافق الرعاية الصحية، سواء من حيث البنية التحتية أو الكوادر الطبية، وتفتقر المستشفيات المحلية إلى المعدات والأدوية الأساسية، في حين تبقى المسافات الطويلة بين القرى والمراكز الصحية عائقاً إضافياً أمام وصول الأطفال المرضى إلى العلاج في الوقت المناسب.

وأعربت السلطات الصحية في إقليم السند عن قلقها البالغ إزاء تدهور الوضع في ثارباركار، محذرة من أن استمرار الأزمة دون تدخلات عاجلة قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في أعداد الوفيات، خاصة بين الأطفال والنساء، غير أن هذه التحذيرات، بحسب ناشطين حقوقيين، تأتي متأخرة ولا تترافق مع إجراءات ملموسة على الأرض.

ويرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن ما يحدث في ثارباركار الباكستانية يعكس غياباً واضحاً للمساءلة، حيث تتكرر الأزمات دون محاسبة حقيقية أو خطط طويلة الأمد لمعالجة جذورها، ويؤكد هؤلاء أن الحق في الغذاء والرعاية الصحية ليس منحة، بل التزام قانوني وأخلاقي على الدولة، خاصة تجاه الأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر هشاشة.

لا تقتصر آثار الأزمة على الوفيات المسجلة، بل تمتد إلى تداعيات طويلة الأمد تطول الأطفال الذين ينجون من سوء التغذية، إذ يعاني كثير منهم من تأخر في النمو الجسدي والعقلي، ما يؤثر على فرصهم في التعليم والعمل مستقبلاً، ويكرس دائرة الفقر عبر الأجيال.

دعوات لتحرك عاجل

منظمات المجتمع المدني في باكستان دعت إلى إعلان حالة طوارئ إنسانية في ثارباركار، وتوفير مساعدات غذائية عاجلة، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية، كما شددت على ضرورة اعتماد مقاربة حقوقية شاملة تضع كرامة الإنسان وحقوق الطفل في صلب السياسات العامة.

ويرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب تنسيقاً بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم السند، إضافة إلى دعم من الشركاء الدوليين، لضمان وصول الغذاء والخدمات الصحية إلى المناطق الأكثر تضرراً. كما يؤكدون أن الاستثمار في التغذية والصحة ليس فقط ضرورة إنسانية، بل ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية.

تعد منطقة ثارباركار من أفقر مناطق باكستان، وتعاني منذ عقود من الجفاف المتكرر وضعف البنية التحتية، ما يجعل سكانها عرضة لانعدام الأمن الغذائي، وتشير تقارير محلية ودولية إلى أن معدلات سوء التغذية بين الأطفال في الإقليم من بين الأعلى في البلاد، وعلى الرغم من إطلاق برامج حكومية متعددة لمعالجة الفقر وتحسين الرعاية الصحية، فإن فعاليتها ظلت محدودة بسبب ضعف التنفيذ ونقص التمويل، وتعيد وفيات الأطفال الأخيرة تسليط الضوء على أزمة مزمنة تتطلب استجابة شاملة تقوم على احترام حقوق الإنسان وضمان الحق في الحياة والغذاء والرعاية الصحية، قبل أن تتحول المأساة إلى واقع دائم لا يمكن تداركه.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية